غفلت ذات مرة عن إغلاق هاتفي بينما ألقي محاضرة عن السياسة الصحية، فإذا به يرن على حين غرة. قلت "إنه أخي".
فنادى أحدهم "أجبه، إنه البيت الأبيض"!
فقلت "لا، بل أخي الآخر.. ذلك الناجح".
وبعد المحاضرة تجمع حشد لطرح الأسئلة، لكنهم لم يكونوا مهتمين بالمادة موضوع حديثي، بل كان أكثرهم يسأل بصيغة أو بأخرى "ما الذي كانت تضعه والدتكم في حبوب الإفطار؟".
غالبًا ما يأتيني هذا السؤال من الآباء الجدد القلقين الذين يرغبون في تنشئة أبناء "ناجحين". طرحت سوزان دومينوس أيضًا نفس السؤال، ولمّا لم تجد كتابًا يعالج هذا الموضوع، قررت أن تستجلي القواسم المشتركة بين الأسر التي فيها "أكثر من طفل متفوق"، فكان ثمرة جهدها كتابها الجديد والبديع "ديناميكية الأسرة".
دومينوس كاتبة في مجلة نيويورك تايمز، تدمج ببراعة بين قصص الأخوات برونتي وتجارب الأسر المعاصرة والدراسات الأكاديمية التي تبحث في عوامل تفوّق الأطفال. توضح دومينوس أن الأبحاث الحالية لا تقدم إجابات قطعية لسؤال حبوب الإفطار، بل تشير إلى بعض القواعد الاستدلالية والتي كشفت عنها دومينوس من خلال تصويرها الدقيق والمفصل.
من ذلك أن الآباء الهليكوبتر يضرون أبناءهم بإزالة العقبات والتحديات من طريقهم باستمرار، وتستشهد دومينوس بالأبحاث التي تبين أنّ تدخل الوالدين عندما يواجه الأطفال مشكلة يثبّط عزيمتهم. فالأطفال الذين يحل لهم آباؤهم اللغز (أو في هذه الحالة البالغون الذين أجروا معهم التجربة) يبذلون "جهدًا أقل في المهمة أو اللعبة التالية". بل ينبغي أن يركز الآباء على تنمية "براعة الأطفال واكتفائهم الذاتي" فقدراتهم تفوق ما تتوقعونه، كما أنكم لن ترافقوهم طوال الوقت لنجدتهم.
الفكرة الثانية هي أن آباء الأطفال فائقي النجاح يميلون إلى تجنب المديح المفرط، فالآباء المذكورون في كتاب دومينوس كانوا بعيدين كل البعد عن البهجة والحماس عندما حقق أبناؤهم إنجازات مذهلة، كاجتياز سباحة بركة تبلغ تسعة أميال في وقت قياسي في سن الرابعة عشرة.
لا شك أن أسلوب الحرمان هذا قد يبلغ الأطفال مكانة عالية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى عقدة نفسية تتمثل في السعي المتواصل دون راحة مع الشعور الدائم بالنقص وأنه يلزم إنجاز المزيد. كما يقول أحد المتفوقين "ما يشترك فيه ثلاثتنا هو فكرة أننا لا نرضى عما نفعله مهما كان".

كقاعدة عامة، أطفال الأسر الاستثنائية في كتاب دومينوس يجمعون بين ما قد يعده الغرباء ميولًا متناقضة: يتنافسون بلا هوادة ومع ذلك يدعمون بعضهم بعضًا بدرجة لا تصدق. نلاحظ مرارًا وتكرارًا أن الأطفال "الاستثنائيين" لا يسعون إلى الإنجاز فحسب، بل يسعون كذلك إلى تشجيع أشقائهم ومساعدتهم وتمهيد الطريق لهم.
لنأخذ عائلة مورجيا مثالًا: هاجر كل من أماليا وألفريدو من منطقة صغيرة وسط المكسيك إلى كانساس سيتي، وأنجبا سبعة أطفال، خمسة منهم كانوا يتقاسمون ثلاثة أسرّة في إحدى غرفتَي النوم الموجودتين بالمنزل. ألفريد أحد الأطفال الكبار، وقد تفوّق أكاديميًا وكان أول مَن يلتحق بالجامعة في عائلته، وفي كل مرحلة كان يوجّه أشقائه إلى مجموعة متنوعة من الفرص التعليمية والاجتماعية. كما تقول دومينوس "أبرز ما ميّز الأبناء هو علاقتهم الراسخة، لقد كانوا يستحثون بعضهم بعضًا، ويقدمون الدعم اللوجستي والمشورة وتسهيل العلاقات إلى جانب الولاء المطلق".
وكذلك كانت عائلة تشن التي هاجرت من الصين بعد مخالفة سياسة الطفل الواحد التي فرضتها الدولة، واستقرت في فيرجينيا وفتحت هناك مطعمًا. كان لدى الآباء معايير عالية، إلا أنه لم يتوفر لهم متسع من الوقت لتوجيه أبنائهم. لكن أخبر ابن عمهم دومينوس أنه "متى ما رأى أحد أبناء تشن يعزف على البيانو، فإنه يجد أحد أشقائه بجواره على المقعد يصقل عزف شقيقه الأصغر. لقد كانوا يعتمدون على الواجبات المنزلية، والكبير منهم يعلّم الصغير".
لم تكن الأسر التي ذكرتها دومينوس ميسورة الحال. لكن ما تسمّيهم بـ "الآباء المبادرين" يبذلون جهدًا كبيرًا لتعريض أبنائهم للموسيقى والمسرح والمتاحف والمكتبات، والأهم من ذلك كله: الموجهين.
يتطلب بناء "أسر استثنائية" ثمنًا باهظًا، فالوالدان -وربما الأمهات خاصة- يقدمان تضحيات جمة لا محالة. كانت ينغ تشن تدير المطعم سبعة أيام في الأسبوع دون عطلات، وكانت أميليا مورجيا تقوم ساعات لا تحصى على تدبير شؤون المنزل والطبخ لأسرتها المكونة من تسعة أفراد.
لا ينتج من حكايات دومينوس المؤثرة صيغة جاهزة، وإنما صورة للتفاعل المعقد بين الطبيعة وأسلوب التنشئة والحظ. تروي دومينوس قصة لازلو بولغار الذي ربّى بناته الثلاث حتى يصبحن أنجح لاعبات شطرنج في التاريخ. يوضح أحد علماء الأعصاب أن حالة بنات بولغار الاستثنائية نشأت من مزيج من الذاكرة طويلة المدى الفطرية وسرعة المعالجة العالية الشائعة بين أبطال الشطرنج، بالإضافة إلى ضغط والدهن "لتكريس حياتهن المبكرة للشطرنج"، وهو ما زاد من تطوير هذه الدوائر الدماغية الاستثنائية.
ولعل أكثر القصص تشويقًا في هذا الكتاب ليست متعلقة بالبشر، بل بتجربة فئران. وُضعت أربعون فأرة متطابقة جينيًا في طور ما قبل البلوغ في مساحة مملوءة بالألعاب الجذابة، وسُجلت جميع حركاتهن على مدار ثلاثة أشهر. ماذا كانت النتيجة؟ تحول البعض إلى مستكشفات، بينما فضّل البعض الآخر الانزواء. بدا أن التباينات الكبرى في الشخصية مرتبطة باختلاف التجارب الأولى، والتي تضخّمت بعد ذلك بمرور الوقت. استنتج أحد علماء الوراثة السلوكيين أنه "ليست الجينات أو البيئة المربّية هي ما تصنع الفارق، بل طريقة الاستجابة للأحداث العفوية أو العشوائية المبكرة".
قد يبدو هذا مُحبطًا للآباء الذين يريدون وصفة جاهزة للسيطرة على العالم. ومع ذلك توجهنا دومينوس لأمور بديهية نتجنبها وأخرى نتبعها: كتعريض الأطفال للتجارب المُثرية وتنشئتهم اجتماعيًا والقراءة لهم. (ومما يُذكر أن هذه القواعد الاستدلالية تصدُق على تجربة طفولتي). لكن هذا وحده لا يضمن شيئًا لأن كل وضع في النهاية -كما توضح دومينوس- هو نتاج قدر كبير من العشوائية والحظ.
وفي النهاية، هذا التفاعل بين الجينات والبيئة -وليس حبوب الإفطار- هو ما يمنح البشر تفرّدهم.
شقيقه رام إيمانويل سياسي يعمل بالبيت الأبيض. [إضافة]
الذين يفرطون في الاهتمام بأبنائهم ومراقبتهم عن كثب والتدخل في حياتهم، أخذ المصطلح من طائرة الهليكوبتر التي تحوم حول الرؤوس. [إضافة]
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي
عبدالله بن إبراهيم الحسين

