header

كتاب الأيديولوجيا المذهبية تدريب عملي على نقد النصوص التاريخية

حا
حمود الباهليحمود الباهلي
04 فبراير 2026
٤ دقيقة قراءة

«كتب الجاحظ، تعلم العقل أولا، ثم الأدب ثانيا».  ابن العميد

قد تكون الفائدة الأكبر من قراءة بعض الكتب في التعرف على المنهجية التي سار عليها المؤلف، أكثر من الفائدة التي توصل إليها، وكتاب الباحث عبد الله الغزي "الإيدلوجيا المذهبية وتوظيف التاريخ في الجدل الكلامي: قراءة نقدية لسردية الجعد بن درهم" مثال جيد على نوعية هذه الكتب، فمعرفة معتقد الجعد بن درهم بدقة، مسألة لا تهم ٩٩،٩٩٪ من المسلمين في العصر الحالي، لكن تميز كتابه بطريقته في المقارنة بين النصوص التاريخية (المتناقضة) التي تناولت معتقده.

فكرة الكتاب:
دراسة التاريخ قد يكون دافعها الرغبة العلمية في الفهم الماضي، فتعتبر دراسة موضوعية، وقد تكون من أجل الاستعانة به في الجدالات الفكرية، فتصنف على أنها دراسة مؤدلجة، والتراث العقدي للفرق الإسلام، يحتوي الكثير جدا من السرديات المتناقضة، وعندما تعتمد فرقة دينية على سردية معينة، وتستعين بها في الرد على خصومها، متجاهلة وجود سرديات أخرى، هنا يتحول التاريخ من أداة لفهم الماضي، إلى سلاح يوجه نحو الخصوم، فتوظف هذه السردية لتعزيز الذات وتشويه الخصم.

بالتأكيد ليس كل سردية تاريخية تتحول بالضرورة إلى أيدلوجيا مذهبية، فالكثير من السرديات التاريخية، لا تعدو أن تكون مجرد معلومات وآراء ذكرت في مصادر متقدمة. 

كما أن أدلجة التاريخ لا تعتبر أدلجة مذهبية، إذا قام بها شخص واحد، بل إذا اتفق أفراد جماعة ما على موقف موحد من السردية، واستعانوا بها في جدالاتهم مع الخصوم، فحينها تصنف على أنها أدلجة مذهبية. وكل الفرق والجماعات لا تخلو من هذا، لكن تتفاوت فيما بينهما كما ونوعا.

وهدف الباحث من الكتاب هو فحص ما قيل عن الجعد بن درهم، وهي شخصية يكتنفها الغموض، فيما هو متوفر في كل المصادر الإسلامية، وهل هي متفقة على نظرة محددة له؟ وتقييم تأثيره الفكري فهل هو كما صورته بعض السرديات؟ أم بولغ في تأثير حجمه؟ وعلاقته بالجهم بن صفوان، والهدف الثاني كيف وظف علماء الأثر واحدة من هذه السرديات عن الجعد في نقد خصومهم.

العمل
في البداية، تناول المؤلف عددا من البحوث التي تطرقت للجعد بن درهم، سواء كانت بحوثا موضوعية أم متحيزة، ملمحا لما قدمته في دراسة الشخصية، ثم بين الإضافة المعرفية في تحليله الذي سيعرضه في الكتاب.

توجد حقائق هي محل اتفاق بين الجميع، مثل كون إن الجعد عاش في عصر بني أمية، وقتل في عهد هشام بن عبد الملك، والذي قتله والي العراق خالد بن عبد الله القسري، لكن اضطربت المصادر في مكان نشأته: حران، البصرة، الكوفة، وانتمائه العرقي بين كردي وفارسي، وعربي، والأهم من ذلك تعليل مقتله، بين كونه معارضا سياسيا لحكم بني أمية، منكرا للصفات الإلهية المذكورة في القرآن، قائلا بخلق القرآن، أو الاتهام بالزندقة.

وتتبع الباحث المصادر الأولية التي تناولت مقتله، و آرائه العقدية، وبين من خلال تحليلها له، أنه قتل من أجل تهمة الزندقة، وليس له أي علاقة بالجدل الكلامي حول صفات الله. 

ويربط الباحث بينه مذهبه الفكري، وبين ما رمي به خلفاء بني أمية: يزيد بن الوليد ومروان بن محمد من تهمة الزندقة، لأن الجعد كان مؤدبا لمروان بن محمد، وقيل عنه مروان الجعدي.

الجعد والجهم

الجهم بن صفوان شخصية محورية في الجدل الكلامي، لقوله بإنكار الصفات الإلهية، وبعض الفرق الإسلامية تربط بينه وبين الجعد بن الدرهم في هذه المسألة، إذ ترى الجهم قد تتلمذ على يد الجعد، وترجح أنه قتل على يد خالد القسري لإنكاره الصفات الإلهية، ومن ثم تستعين بهذه السردية في جدالها مع (منكري/مؤولي) الصفات الإلهية.
لكن الباحث فند أي علاقة بينهما، فلا يوجد التقاء (جغرافي/ زمني/ فكري) يجمع بين الشخصيتين.

قراءة النصوص
من الجهود التي أعجبتني في الكتاب تصحيح الباحث للنشرات المطبوعة من الكتب التراثية، فتتفاوت النشرات في الجودة بناء على نوعية المخطوطات التي حصل عليها المحقق، وفهمه للمادة العلمية للكتاب، وبعضها يوجد فيه أخطاء علمية، قد تحيل المعنى إلى عكسه! مثل سقوط (لا) في المطبوع، أو وضع المحقق علامات ترقيم أو حرف عطف تفسد المعنى، وقد بين الباحث عدة أخطاء لنشرات كتب تراثية.

نقد ذاتي

خلال كتابتي لهذه المادة، بحثت عن أي نقد يوجه للكتاب، لكن تفاجأت بأن المؤلف نفسه نقد كتابه! لأن منهجية الباحث، أن الطبعة الأولى من الكتاب هي الطبعة الأخيرة، فهي تعكس مستوى الباحث العلمي والفكري خلال إصداره، لذلك لا يصدر طبعة لاحقة منقحة ومزيدة، وإن وجد الباحث لاحقا، وجود أخطاء في كتابه، أو توفرت لديه معلومات إضافية تثري الموضوع، فإنه يخصصها في ملف مستقل، لمن يريد الاستفادة.

أهمية الكتاب
برز مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي، نقاشات عن الأنساب، والجدل الكلامي في صفات الله، وتعتمد هذه النقشات على الاستدلال بهذا المصدر التراثي أو ذلك، لكن طريقة الاستدلال فجة، وتعكس ضحالة علمية، مثلا يصور حساب (لا يفصح عن هويته) مقطعا في كتاب، يؤيد حجته، غافلا عن اسم المحقق، وهل نشرته هذه تعتبر مقبولة في العرف العلمي، أم لا؟ وممن استمد المؤلف معلومته، هل مشافهة أم اعتمادا على مصدر آخر، وهل هو متحيز في النقل أم منصف؟ متجاهلا وجود سرديات أخرى، قد تكون أمتن علميا، وتختلف مع ما ذكر في الكتاب الذي جعل صفحة من محور نقاشه!

فهم الماضي ليس عملية سهلة، فنحن نحاول أن نفهم نظما اجتماعية وسياسية ودينية لم نرها أبدا، ووسيلتنا في هذه مصادر مكتوبة، والتي عادة لا تقدم سردية واحدة، وهنا يأتي دور المؤرخ في الجمع بين النصوص التاريخية، ومقارنة السرديات ببضعها، ومن ثم تقديم سردية متماسكة.




شارك الصفحة

المزيد من المراجعات